الحلبي
66
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
مسحت على شاة لدى أم معبد * بجهد فألفتها أدرّ حلوبة وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله في وصف راحته الشريفة : درت الشاة حين مرت عليها * فلها ثروة بها ونماء أي أرسلت الشاة لبنها حين مرت راحته الشريفة على تلك الشاة فلتلك الشاة بسبب تلك الراحة كثرة لبن وزيادة . وعن أم معبد : أن هذه الشاة بقيت إلى خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه إلى سنة ثماني عشرة ، وقيل سبع عشرة من الهجرة ، ويقال لتلك السنة عام الرمادة : أي وكانت تلك السنة أجدبت الأرض إجدابا شديدا ، حتى جعلت الوحوش تأوي إلى الإنس ويذبح الرجل الشاة فيعافها ، أي لخبث لحمها ، وكانت الريح إذا هبت ألقت ترابا كالرماد ، فسمي ذلك العام عام الرمادة ، وعند ذلك آلى عمر رضي اللّه تعالى عنه أن لا يذوق لبنا ولا سمنا ولا لحما حتى تحيا الناس : أي يجيء عليهم الحيا وهو المطر ، وقال : كيف لا يعنيني شأن الرعية إذ لم يمسني ما مسهم ، وهذا السياق يدل على أن الذي حلبه صلى اللّه عليه وسلم عند أم معبد شاة واحدة . وفي تاريخ العيني شارح البخاري ، قال يونس « عن ابن إسحاق أنه دعا ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا اللّه وحلب في العس حتى أرغى ، وقال اشربي يا أم معبد ، فقالت اشرب اشرب فأنت أحق به فرده عليها فشربت ثم دعا بحائل أخرى ، ففعل بها مثل ذلك فشربه ، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك ، فسقى دليله ، ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة ، وطلبت قريش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد ، فسألوا عنه صلى اللّه عليه وسلم ، ووصفوه لها ، فقالت : ما أدري ما تقولون قد ضافني حالب الحائل ، فقالوا : ذلك الذي نريده » . وعند قول عمر رضي اللّه تعالى عنه ذلك ، قال كعب لعمر : يا أمير المؤمنين إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء ، فقال عمر : هذا عم النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وصنو أبيه ، وسيد بني هاشم يعني العباس ، فمشى إليه عمر وشكا إليه ما فيه الناس ، فصعد عمر المنبر ومعه العباس ، وقال : اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنوا أبيه صلى اللّه عليه وسلم فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ؛ ثم قال عمر للعباس : يا أبا الفضل قم وادع ، فقام وحمد اللّه وأثنى عليه ودعا بدعاء منه : اللهم شفعنا في أنفسنا وأهلينا . اللهم إنا نشكو إليك جوع كل جائع . اللهم إنا لا نرجو إلا إياك ، ولا ندعو غيرك ، ولا نرغب إلا إليك ، فسقوا قبل أن يصلوا إلى منازلهم ، وخاضوا في الماء وأخصبت الأرض ، وعاش الناس ، فقال عمر : هذا واللّه هو الوسيلة إلى اللّه تعالى ، فصار الناس يتمسحون بالعباس ويقولون : هنيئا لك ، سقينا في الحرمين .